فخر الدين الرازي
193
الأربعين في أصول الدين
لشأنه . وذلك غير جائز . فدلت هذه الآية : على أنه ليس لمحمد عند جبريل عليهما السلام من المنزلة والقدر والرتبة ، الا أن يقال : انه ليس بمجنون . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » ( التكوير 19 ) صفة لمحمد لا لجبريل عليهما السلام . قلنا : لأن قوله : « وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ » ( التكوير 23 ) يبطل ذلك . الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى : « ما هذا بَشَراً ، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » ( يوسف 31 ) والمراد من هذه النسبة . اما نسبة يوسف بالملك في صورته ، أو في سيرته . والثاني أولى . لأنه شبهه بالملك الكريم ، والملك انما يكون كريما بالسيرة لا بالصورة . فثبت : أن المراد تشبيهه بالملك في نفى دواعي الشهوة ، ونفى الحرص على طلب اللذات الحسية ، واثبات ضد ذلك . وهي صفة الملائكة - وهي غض البصر ومنع النفس عن الميل إلى المحرمات - فدلت هذه الآية : على اطباق العقلاء من الرجال والنساء ، والمؤمن والكافر ، على اختصاص الملائكة بالدرجات الفائقة على درجات البشر . فان قيل : قول المرأة : « فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ » ( يوسف 32 ) يقتضي أن يكون تشبيه يوسف بالملك انما وقع في الصورة لا في السيرة . لأن ظهور عذرها من شدة عشقها ، انما وقع في الصورة بسبب فرط يوسف في الجمال ، لا بسبب فرطه في الزهد . قلنا : ان شدة عشقها له . يحتمل أن يكون بسبب غاية زهده ، لأن الانسان حريص على ما منع منه ، وكل ما كان اعراض المعشوق أكثر ، كان شدة عشق العاشق أكثر . الحجة الخامسة عشر : قوله تعالى : « وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » ( الإسراء 70 ) ومخلوقات الله تعالى اما المكلفون ، أو ما عداهم . ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم . أما المكلفون فهم